المعرفة الحرة

الإثنين,تشرين الثاني 26, 2007


صراع المفكر والسياسي في تاريخ المسلمين

: رشيد أوراز*      
قبل قرون كانت الحضارة الإسلامية ممتدة من أسيا إلى المحيط الأطلسي، وكان المسلمون يبسطون أيديهم على ثلاث قارات ويتحكمون في محاور التجارة الدولية، وينظمون أمورهم السياسية في إشكال حكم مختلفة بين إمارات وممالك.

وفي ظل هذه الحضارة شهد الكون أضخم عمل علمي، ومعرفي وفكري لم يحدث مثله من قبل، وفي ظل هذه الحضارة قتل وأسر وعذب وأسكت أكبر عدد من العلماء والفقهاء والفلاسفة.

إن ما وصلنا من أراء وأفكار ومخطوطات علمية كتبت في تلك الفترة لا تعكس أبدا حجم الحركة العلمية وقيمة الأفكار التي كانت رائجة في أي مرحلة من مراحل حياة المسلمين. والتاريخ الإسلامي يحكي جرائم بشعة أقيمت في حق العلماء والمتسائلين وخصوصا الفلاسفة والفقهاء، ولعل قمع تيار المعتزلة ونفي ابن رشد وتعذيب الأئمة الكبار وسجن ابن تيمية دليل على جزء صغير من ذلك، إذا علمنا أن وراء كل واحد من هؤلاء تلاميذ يتطلعون إلى ما هو غير موجود في واقعنا.

إن السلطة السياسية التي أقيمت على حد السيف وقمع العلم منذ نهاية الخلافة الراشدة لم تترك أي حظ للحركة العلمية لتتقدم في الطريق السليم. ومن جاء بعد ذلك تفرق ببين راع لحقوق العلماء وقاتل لهم ومشتر لذممهم بالمال، والصنف الأول قليل جدا، إلا في نماذج قليلة ومحدودة، أما القتلة فهم الأكثر ويقومون بذلك بمساندة فقهاء السلطة والمجالس العلمية الحاكمة.

وإذا كانت هذه الصورة القاتمة تطبع مسيرة الحضارة الإسلامية، فان أيا من المجالات العلمية لم يستثن بما فيها علوم الدين من الحديث والتفسير وغيرها.

فالسلطة السياسية التي أقيمت تحت شعارات دينية كانت توهم الناس بأنها تحمي دينهم، وبما أن المسلم في حالة صراع مع الأقوام التي تقوم سلطته السياسية بغزوها (مما يعني انتفاء الوضع النفسي المريح والتفاؤلي) فهو لم يسأل يوما ممن ستحمي السلطة السياسية الحاكمة الدين، أعني لم يسأل يوما من يهدد هذا الدين الذي تجعل حمايته مبررا لاستعمال السلطة للعنف والسيف ضد أي كان بما فيه الإنسان المسلم ذاته.

أعني لم يجد المسام فرصة نفسية (جماعية) ليسأل نفسه إذا ما كان هو بالذات المهدد الرئيسي للدين؟ وهل ينص الدين في نصوصه على ضرورة أن تحميه السلطة السياسية بالسيف؟

إن هذا الوضع الخاطئ نقل الإنسان المسلم إلى المتحف التاريخي وهو يفتخر بثقافة صورية ووثنية إلى أبعد الحدود بين جهل تام بسنن الوجود وعبادة الأولياء وترويض النفس داخل الزوايا. ونقل معظم أفكار الإسلام إلى أوربا لتدور ضمن عجلة حضارية جديدة والمتبقي منها سيذهب إلى مقبرة التاريخ. أما الدين فرفع ولم يعرف له أثر وبقي القرآن يواجه خطرين إنسان يتبرك به وتفاسير تجعله كلاما لغويا لا غير.

ومنذ ذلك الوقت بني شبيه الإسلام على مبدأين ألا تسأل السلطة الحاكمة شيئا وأن لا تعارضها، وإذا عارضتها فستجد أمامك حشدا من فقهاء السلاطين وصل بهم الحد أن قالوا: ألف يوف في ظل حكم سلطان جائر أفضل من يوم واحد من دون سلطان. أو بالأحرى ما يمكن أن نسميه (يوم فوضى) للبحث عن سلطان عادل. ولو كان المسلمون يخصصون يوما واحدا من حياتهم لرفض الحاكم المستبد والبحث عن حاكم عادل لما دخلوا في دروب الجهل والتخلف لأنه وبكل بساطة في ظل حكم عادل لن تتوقف الحركة العلمية ولو ليوم واحد، مما يعني الاستمرار في ظل الحضارة وفي جو الضمانات، ولكن استبداد الحكم الإسلامي أوقف العلم في العالم الإسلامي وكلف الجنس البشري خسائر فادحة وحكم على المعرفة أن تنتقل من حلقة جغرافية إلى حلقة جغرافية أخرى بطريقة قسرية ولو تركها وشأنها لنمت وترعرعت وانتقلت بطرق سلمية ولتقدم المسلمون في ميدان العلم، ولا شك أن أول طائرة ستقلع من الأندلس وسيكون الإنسان المسلم أول من يسافر عبر الفضاء، ولكن الحاكم المستبد حكم على العلم بالرحيل ، وحكم على كرسيه بالبقاء وسط أناس يجهلون ماذا يعني أن يجلس الحاكم على الكرسي ويخاطبهم من عل، وأن يواجه بالسيف كل من يقوم بمحاولة واحدة لإرجاع الكرسي لأهله.

أما إذا اعتبرنا أن التراجع الحضاري هو النتيجة الوحيدة لهذا الفعل فإن الإنسان المسلم لم يخسر أي شيء. فالحضارة تضمنها المعرفة، وكلما أرادت أمة أن تعيش ظروف الحضارة عليها بالاهتمام بالمعارف وتحصيلها.

ولكن وللأسف المسلم لم يخسر حضارته وحدها، بل خسر دين الإسلام أيضا، فالعلوم التي أرادها أن تعينه في فهم هذه الرسالة السماوية نشأت في هذه الظروف القمعية، وتأثرت بالتالي بجو المعارك الذي كان سائدا. ولا نبالغ ولو للحظة إذا ما قلنا أن السلطة السياسية قامت بتوجيه العلوم الدينية في الحضارة الإسلامية، حتى أصبحنا نجد حديث الفقهاء يدور حول الطهارة وقوة الإيمان في مجتمع مركب من العنف والاستبداد والجهل، مجتمع لم يجد ذاته بعد. وهو ليس في حاجة لمن يعلمه طريقة الوضوء.

إن هذا الواقع بدأ منذ إسقاط الخلافة الراشدة، ولا زال يتضخم حتى توجه الماوردي بكتاب (الأحكام السلطانية) لينال شيئا من العلمية والرسمية أيضا. والأسوأ أن يكون الحال هكذا في مجتمع يفقد أدنى مقومات الوجود مجتمع تقلصت معارفه إلى الصفر.

ولكن ما هي صورة الإنسان المسلم بعد مرور أربعة عشر قرنا؟

في مرحلة مبكرة خرج الإنسان المسلم من جو الحضارة ليعود إلى البداوة والجهل من جديد، وبالتحديد منذ انهيار الحكم الإسلامي بالأندلس (سقوط قرطبة).

وليس هذا فقط بل تم ضغط الإسلام في ركن صغير، وحجبت حقائقه بعلوم دينية، وبقي الإنسان المسلم تافه القيمة، تائها بين حضارة غربية كبيرة يراها بعينيه وقرآن يقول {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وهو لم يعلم أن الأمة التي تحدث عنها القرآن في هذا الموقع، هي الأمة التي تتجلى فيها مواصفات أخرى نص عليها القرآن، وبالتأكيد أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

إن الإنسان المسلم خسر دينه وحضارته، ولكل حضارة جديدة لا بد من فكرة دينية كما حدد ذلك مالك بن نبي.

ولكي يعرف الإنسان المسلم دينه، أعني لكي نبعث الإسلام ثانية في واقعنا، يجب أن نخلصه من العنف، ونقف في لحظة جماعية لكي نرى الإسلام قائما من دون سيف، أعني أن نزيل من عقول الناس تلك الفكرة الخاطئة القائلة أن: السلطة السياسية حامية للدين، وأن نبين لهم في المقابل أن السلطة السياسية أكبر مهدد للإسلام، وهي التي أزالت منه تأشيرة المرور للضفة الأخرى.

في تلك اللحظة فقط يمكننا أن نتيقن أن الحضارة قد بدأت تولد عندنا من جديد، وفي تلك اللحظة أيضا ستكشف الشعوب المقهورة والجاهلة حقيقة الإسلام ومعنى التوحيد.

إن خلاصة الكلام أن ندعو إلى تجنب تدخل السلطة السياسية في توجيه العلوم الدينية، وأن نمنع قمع العلماء والمفكرين، وأن نطالب بإعطائهم مزيدا من الحرية من أجل فهم ديني أكثر عقلانية.


* كاتب من أكادير – المغرب aourraz@maktoob.com




رأيك يهمني كثيرا فلا تبخل به

الآراء و الواردة في هذه المدونة لا تعبر بالضرورة عن موقف صاحب المدونة