بقلم : عبد الله إدالكوس
الحلولية الكمونية هو نموذج تفسيري استخدمه عبد الوهاب المسيري في معرض دراسته لتطور العقيدة اليهودية، يقول : من خلال نموذج الحلولية الكمونية هذا أرخنا للعقيدة اليهودية، ولتصاعد معدلات الحلولية الكمونية فيها إلى أن سيطرت القبالاة عليها تماما، وهنا يظهر اليهودي بحسبانه الإنسان ممثل الإنسانية المشتركة في واقعها المأساوي والملهاوي. وفي مقدرتها الهائلة على تجاوز عالم المادة وعلى الغوص فيه، وعلى الصعود إلى أعلى درجات النبل، وعلى الهبوط إلى أدنى درجات الخساسة. 36
ويمكن تعريف الكمونية الحلولية على أنها المذهب القائل بأن كل ما في الكون الإله والإنسان والطبيعة مكون من جوهر واحد. ومن ثم، ينكر هذا المذهب وجود الحيز الإنساني، كما ينكر إمكانية الحرية والتجاوز وهو يصل إلى الذروة في وحدة الوجود. ومذهب الحلول والكمون مذهب أحادى اختزالي، فهو يختزل الإنسان ويساويه بالكائنات الطبيعية. 37 بل، إن العالم يتحول إلى وحدات طبيعية وإنسانية، متساوية ومستقلة ومختلفة ومنفصلة بسبب عدم وجود مركز ومرجعية كلية مشتركة وتصبح كل وحدة ذات سيادة مطلقة ومرجعية ذاتها. 38 ويلفت المسيري القارئ منذ الجزء الأول من الموسوعة إلى عدد كبير من المصطلحات المتقاربة، وذات الحقل الدلالي المشترك للتعبير عن فلسفات الحلول من ذلك، الحلول، وحدة الوجود، الكمون، الباطنية، الاتحاد، الفناء، المحايثة، الفيض، التجسد، المبدأ الواحد وغيرها. وما هو مشترك بين هذه المصطلحات هو اتجاهها إلى نفي طرفي الثنائية الوجودية (الخالق والمخلوق، الكلي والنسبي، المادي والروحي، الظاهر والباطن، الداخل والخارج) إلى أن ينتهي الأمر بأن يفنى أحدهما في الأخر ويذوب فيه بصورة تامة،حتى يكونا في نهاية المطاف واحدا عضويا يلغي كل أساس للمقابلة والتمييز. 39 وتجدر الإشارة إلى أن أي نموذج أو رؤية للكون، تدور حول ثلاثة محاور هي : الإله، والطبيعة، والإنسان، سماها حاج حمد بـالجدليات الثلاث وهي محاور مترابطة إلى درجة أنه يمكن استخلاص موقف النموذج من الطبيعة والإنسان من خلال دراسة موقفه من الإله ويمكن استخلاص موقفه من الإنسان والإله من خلال دراسة موقفه من الطبيعة. 40. ويذهب المسيري إلى أن معظم الرؤى الإنسانية تحدد مبدأ واحدا يشكل مركز الكون ومصدر وحدته وتماسكه وحركته. هذا المبدأ الواحد في العقائد التوحيدية هو الإله وهو متجاوز للإنسان والطبيعة والتاريخ منزه عنها، مفارق لها. ولكنه لم يهجرها فهو خالقها ومحركها وهو الذي يزودها بالغرض والغاية- وهو ما تعبر عنه الآية الكريمـة : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 41- أما في الرؤى الحلولية الكمونية الواحدية، فالمبدأ الواحد ليس مفارقا للمادة أو العالم أي للطبيعة أو الإنسان وإنما كامن وحال فيها، فهو جزء عضوي لا يتجزأ منها ولا وجود له خارجها أي أنه مطلق لا يتجاوز الإنسان أو الطبيعة أو التاريخ، ومع هذا لا يمكن تفسيرهم إلا من خلاله. 42
إن جوهر هذه المسالة مرتبط في الأساس بالمرجعية أي أن جوهر الخلاف بين المنظومات الحلولية والفكر التوحيدي يرجع أساسا إلى اختلاف المرجعيتين، ففيما تستند التصورات التوحيدية إلى مرجعية نهاية متجاوزة، خارج نطاق الأشياء وعالم الطبيعة، تقوم التصورات الحلولية على عملية إدماج وخلط بين عالم الألوهية وعالم الإنسان والطبيعة43والمرجعية كما يعرفها المسيري هي الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في نموذج معين والركيزة النهائية الثابتة له، التي لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها فهي ميتافيزيقا النموذج والمبدأ الواحد الذي ترد إليه كل الأشياء وتنسب إليه ولا يرد أو ينسب إليها. وهنا يمكن القول بان المرجعية هي المطلق المكتفي بذاته والذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر. وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه ويحدد حلاله وحرامه. 44 وهنا نأتي إلى صلب الإشكال الذي يعنينا، أي علاقة الإسلام بالعلمانية فـ- الحلولية الكمونية أو الواحدية المادية في تصورنا هي ذاتها العلمانية الشاملة أو أن العلمانية الشاملة هي مجرد تنويع على الواحدية المادية 45 - أو ما يمكن تسميته ممانعة الإسلام لحركة العلمنة 46 يقول الباحث التونسي عبد السلام بوشلاقة إن جوهر التناقض بين الإسلام والعلمنة بمعناها العام إنما يعود إلى مستندات الرؤية الفلسفية والأخلاقية لكل منهما. فبينما تستند العلمانية إلى رؤية وضعية دنيوية قوامها مرجعية مادية محايثة، فإن الإسلام يتأسس على مرجعية التجاوز والتعالي. 47
المرجعية المتجاوزة : الإنسان الرباني.
تستند المرجعية المتجاوزة إلى نقطة خارج عالم الطبيعة والتاريخ والإنسان، هذه النقطة في النظم التوحيدية هي الإله الواحد المنزه عن الطبيعة والتاريخ، يحركهما ولا يحل فيهما، ووجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تختزل ولن تلغى، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أن الإسلام بقي بعيدا عن حبائل العلمانية ومن إدراك ذات المصير الذي أدرك الفكر الغربي، رغم كل هذه التأثيرات الحلولية الباطنية، فالأمر، إذن، راجع إلى تصور الإلوهية القائم على مطلق التنزيه والتوحيد، إلى جانب مفهوم الاستخلاف، اللذان يتناقضان قي الصميم وأي توجه حلولي، وما يترتب عن ذلك من مسافات فاصلة بين الذات الإلهية وعالم الطبيعة والإنسان أو بين عالمي الخلق والأمر. 48 ففي المرجعية المتجاوزة الإسلامية تحضر الثنائيات الفضفاضة، ويحضر الإنسان المركب المتوازن.
لا يكتفي الإسلام بترسيخ التوازن على المستوى الفردي، بل ينقله إلى المستوى الجماعي أيضا. فنجده تارة رغب في الحياة وملاذها وأخرى يصرف عنها ويدعو إلى آخرة هي افضل وأبقى، وهذا ما يفسر أيضا الثنائيات ”الفضفاضة“ أو المستوعبة التي يوفرها هذا الدين لاحتضان وترشيد الكائن البشري، بعيدا عن الواحديات الصلبة الحادة. ففي ثنائية الدنيا/الآخرة نقرأ قوله تعالى مثلا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾49 وبعدها مباشرة ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾50 كما نقرأ كذلك ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾51 وأنكر الحق سبحانه وتعالى على من يقتصر على القول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾52 وأرشد إلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة معا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾53 54.
وثمة جوانب كثيرة في حياة الإنسان، يظهر فيها الفرق بين المرجعيتين: المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكمونية، يضرب الدكتور سعيد شبار مثالا بارزا على ذلك، يتجلى في فئة المسنين والمتقاعدين، هذه الفئة كان يعبر عنها في الأنظمة الشمولية ب ”الأفواه الآكلة غير المنتجة“ والتي يعبر عنها في نظام العولمة الحالي الشمولي الكلي ب ”المواطنين الفائضين عن الحاجة يقول ” الأنظمة الشمولية اعتمدت طريقة التسخين بواسطة الأفران والمحارق الغازية، كما حدث لقطاعات المسنين والمرضى الميؤوس منهم واليهود وأحيانا الجرحى الألمان أنفسهم، وتعتمد في الأنظمة الثانية طريقة التبريد بواسطة الملاجئ والمحاضن وبيوت العجزة والمسنين أي التحييد والعزل المنهجي لإنسانية الإنسان وكينونته الاجتماعية… أما في المرجعية المتجاوزة. فما أجمل أن نقرأ في القرآن الكريم عن هذه الشريحة قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾55 بل ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ 56 57
وحينما خلق الله الإنسان من طين، نفخ فيه من روحه فاصبح إنسانا مختلفا عن المادة التي خلق منها كائنا له عقل قادر على التمييز وعلى الاختيار بين الخير والشر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾58 مما يعني وجود حيز إنساني مستقل عن الحيز الطبيعي/ المادي، وهو ما يمكن تسميته بالإنسان الرباني في إطار النزعة الربانية التي تفترض وجود عنصر في العالم لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة الطين/الرحم. فهو الذي يمنح الإنسان تركيبه المتناهية، ويولد فيه وعيه بنفسه ككائن مسؤول مستقل لا يذوب في الكل، وهو ليس الكل (وليس بالإله)59 ففي المرجعية المتجاوزة (الإسلامية) الله هو الخالق سبحانه والإنسان هو مخلوق مستخلف في الأرض، والمسافة بين الخالق والمخلوق محفوظة في إطار هذه الثنائية. يقول علي عـزت بيغوفيتش [Alija Ali Izetbegović] (1925-2003) : إن رفض هذا الموقف الحيواني، هي الحقيقة القاطعة للحياة الإنسانية على هذا الكوكب، قد تكون نقمة للإنسان أو نعمة، ولكنها تبقى الخاصية الوحيدة التي تميز الإنسان. 60
المرجعية الكمونية :إلغاء التركيبة الثنائية.
أشرنا - أعلاه - إلى أن أساس المرجعية المتجاوزة هو الحفاظ على الثنائيات الفضفاضة أي ثنائيات الخالق/المخلوق، الجسد/الروح، الدنيا/الآخرة، الله/الإنسان… الخ. أما في المرجعية الكمونية فإنها تلغى تماما ولا وجود لها. فالرؤية الحلولية تذهب إلى أن الإله، يحل في مخلوقاته ويلتصق بها، ويتوحد بها، إلى أن يصبح مثلها خاضعا لقوانين الطبيعة/المادة أي أن الإله قد مات حسب تعبير نيتشه هذا يعني أن العدل لا يمكن أن يوجد في الأرض، بل ستسود رؤية داروينية تذهب إلى أن المفاهيم الأخلاقية إن هي إلا مؤامرة الضعفاء على الأقوياء، وانه لا يوجد قانون في الأرض وإنما يوجد صراع. فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان والقيمة الأسمى هي البقاء، وآلية حسم الصراع هي القوة. 61 فالعالم حسب هذه الرؤية يحوي داخله المبدأ الواحد الذي يعتبر مصدر تماسكه وحركته ونموه، فهو يشبه الآلة الصارمة المادية وتقدم فلسفة اسبينوزا [Baruch Benedictus de Spinoza]) التي ”وحدت بين القاموس الصوفي اليهودي المسيحي والقاموس المادي الفيزيائي - أبلـغ شاهد على ذلك - 62. وتصل هذه الرؤية ذروتها عندما أعلن نيتشه موت الإله، وألَّـه الإنسان فالحلولية بذلك تهبط بالإله إلى الإنسان، فتؤنسن الإله وتؤله الإنسان، ولكنها تهبط بعد ذلك بكليهما إلى الطبيعة/المادة. فتجعلهما مستوعبين فيها، فيتحولان إلى مادة محض وبالتالي يختفيان، فسقف هذا الإنسان المتأله هو عالم الطبيعة/ المادة ويصبح هو مصدر القداسة وعادة ما يصحب هذا ظهور التفسيرات الحرفية المادية وإسقاط المجاز وأية ثنائية، مثل ثنائية الخالق والمخلوق ،السماء والأرض، الروح والجسد… 63 وهذا يعني أن العالم واحدي يمكن كشف قوانينه الصارمة، والتحكم فيه من خلالها بنجاعة. فالمنظومات الحلولية يتحول فيها الإنسان من كائن ثنائي متعال إلى عنصر مادي متحلل في نظام الطبيعة الصارم.
وعلى الرغم من أن هذه الحلولية تأخذ مظهريْن مختلفيْن في أوجه تعبيرهما، فإنهما متطابقان مضمونا وبنية، ويسم
























