المشيحانية والخلاص الصهيوني :الطبقة الحلولية في العقيدة اليهودية

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 9 سبتمبر 2008 الساعة: 18:25 م

                                        بقلم : عبد الله إدالكوس

الحلولية الكمونية هو نموذج تفسيري استخدمه عبد الوهاب المسيري في معرض دراسته لتطور العقيدة اليهودية، يقول : من خلال نموذج الحلولية الكمونية هذا أرخنا للعقيدة اليهودية، ولتصاعد معدلات الحلولية الكمونية فيها إلى أن سيطرت القبالاة عليها تماما، وهنا يظهر اليهودي بحسبانه الإنسان ممثل الإنسانية المشتركة في واقعها المأساوي والملهاوي. وفي مقدرتها الهائلة على تجاوز عالم المادة وعلى الغوص فيه، وعلى الصعود إلى أعلى درجات النبل، وعلى الهبوط إلى أدنى درجات الخساسة. 36

ويمكن تعريف الكمونية الحلولية على أنها المذهب القائل بأن كل ما في الكون الإله والإنسان والطبيعة مكون من جوهر واحد. ومن ثم، ينكر هذا المذهب وجود الحيز الإنساني، كما ينكر إمكانية الحرية والتجاوز وهو يصل إلى الذروة في وحدة الوجود. ومذهب الحلول والكمون مذهب أحادى اختزالي، فهو يختزل الإنسان ويساويه بالكائنات الطبيعية. 37 بل، إن العالم يتحول إلى وحدات طبيعية وإنسانية، متساوية ومستقلة ومختلفة ومنفصلة بسبب عدم وجود مركز ومرجعية كلية مشتركة وتصبح كل وحدة ذات سيادة مطلقة ومرجعية ذاتها. 38 ويلفت المسيري القارئ منذ الجزء الأول من الموسوعة إلى عدد كبير من المصطلحات المتقاربة، وذات الحقل الدلالي المشترك للتعبير عن فلسفات الحلول من ذلك، الحلول، وحدة الوجود، الكمون، الباطنية، الاتحاد، الفناء، المحايثة، الفيض، التجسد، المبدأ الواحد وغيرها. وما هو مشترك بين هذه المصطلحات هو اتجاهها إلى نفي طرفي الثنائية الوجودية (الخالق والمخلوق، الكلي والنسبي، المادي والروحي، الظاهر والباطن، الداخل والخارج) إلى أن ينتهي الأمر بأن يفنى أحدهما في الأخر ويذوب فيه بصورة تامة،حتى يكونا في نهاية المطاف واحدا عضويا يلغي كل أساس للمقابلة والتمييز. 39 وتجدر الإشارة إلى أن أي نموذج أو رؤية للكون، تدور حول ثلاثة محاور هي : الإله، والطبيعة، والإنسان، سماها حاج حمد بـالجدليات الثلاث وهي محاور مترابطة إلى درجة أنه يمكن استخلاص موقف النموذج من الطبيعة والإنسان من خلال دراسة موقفه من الإله ويمكن استخلاص موقفه من الإنسان والإله من خلال دراسة موقفه من الطبيعة. 40. ويذهب المسيري إلى أن معظم الرؤى الإنسانية تحدد مبدأ واحدا يشكل مركز الكون ومصدر وحدته وتماسكه وحركته. هذا المبدأ الواحد في العقائد التوحيدية هو الإله وهو متجاوز للإنسان والطبيعة والتاريخ منزه عنها، مفارق لها. ولكنه لم يهجرها فهو خالقها ومحركها وهو الذي يزودها بالغرض والغاية- وهو ما تعبر عنه الآية الكريمـة : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 41- أما في الرؤى الحلولية الكمونية الواحدية، فالمبدأ الواحد ليس مفارقا للمادة أو العالم أي للطبيعة أو الإنسان وإنما كامن وحال فيها، فهو جزء عضوي لا يتجزأ منها ولا وجود له خارجها أي أنه مطلق لا يتجاوز الإنسان أو الطبيعة أو التاريخ، ومع هذا لا يمكن تفسيرهم إلا من خلاله. 42

  إن جوهر هذه المسالة مرتبط في الأساس بالمرجعية أي أن جوهر الخلاف بين المنظومات الحلولية والفكر التوحيدي يرجع أساسا إلى اختلاف المرجعيتين، ففيما  تستند التصورات التوحيدية إلى مرجعية نهاية متجاوزة، خارج نطاق الأشياء وعالم الطبيعة، تقوم التصورات الحلولية على عملية إدماج وخلط بين عالم الألوهية وعالم الإنسان والطبيعة43والمرجعية كما يعرفها المسيري هي الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في نموذج معين والركيزة النهائية الثابتة له، التي لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها فهي ميتافيزيقا النموذج والمبدأ الواحد الذي ترد إليه كل الأشياء وتنسب إليه ولا يرد أو ينسب إليها. وهنا يمكن القول بان المرجعية هي المطلق المكتفي بذاته والذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر. وهو الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه ويحدد حلاله وحرامه. 44 وهنا نأتي إلى صلب الإشكال الذي يعنينا، أي علاقة الإسلام بالعلمانية فـ- الحلولية الكمونية أو الواحدية المادية في تصورنا هي ذاتها العلمانية الشاملة أو أن العلمانية الشاملة هي مجرد تنويع على الواحدية المادية 45 - أو ما يمكن تسميته ممانعة الإسلام لحركة العلمنة 46 يقول الباحث التونسي عبد السلام بوشلاقة إن جوهر التناقض بين الإسلام والعلمنة بمعناها العام إنما يعود إلى مستندات الرؤية الفلسفية والأخلاقية لكل منهما. فبينما تستند العلمانية إلى رؤية وضعية دنيوية قوامها مرجعية مادية محايثة، فإن الإسلام يتأسس على مرجعية التجاوز والتعالي. 47

المرجعية المتجاوزة : الإنسان الرباني.

تستند المرجعية المتجاوزة إلى نقطة خارج عالم الطبيعة والتاريخ والإنسان، هذه النقطة في النظم التوحيدية هي الإله الواحد المنزه عن الطبيعة والتاريخ، يحركهما ولا يحل فيهما، ووجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تختزل ولن تلغى، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أن الإسلام بقي بعيدا عن حبائل العلمانية ومن إدراك ذات المصير الذي أدرك الفكر الغربي، رغم كل هذه التأثيرات الحلولية الباطنية، فالأمر، إذن، راجع إلى تصور الإلوهية القائم على مطلق التنزيه والتوحيد، إلى جانب مفهوم الاستخلاف، اللذان يتناقضان قي الصميم وأي توجه حلولي، وما يترتب عن ذلك من مسافات فاصلة بين الذات الإلهية وعالم الطبيعة والإنسان أو بين عالمي الخلق والأمر. 48 ففي المرجعية المتجاوزة الإسلامية تحضر الثنائيات الفضفاضة، ويحضر الإنسان المركب المتوازن.

لا يكتفي الإسلام بترسيخ التوازن على المستوى الفردي، بل ينقله إلى المستوى الجماعي أيضا. فنجده تارة رغب في الحياة وملاذها وأخرى يصرف عنها ويدعو إلى آخرة هي افضل وأبقى، وهذا ما يفسر أيضا الثنائيات ”الفضفاضة“ أو المستوعبة التي يوفرها هذا الدين لاحتضان وترشيد الكائن البشري، بعيدا عن الواحديات الصلبة الحادة. ففي ثنائية الدنيا/الآخرة نقرأ قوله تعالى مثلا ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾49 وبعدها مباشرة ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾50 كما نقرأ كذلك ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾51 وأنكر الحق سبحانه وتعالى على من يقتصر على القول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾52 وأرشد إلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة معا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾53 54.

وثمة جوانب كثيرة في حياة الإنسان، يظهر فيها الفرق بين المرجعيتين: المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكمونية، يضرب الدكتور سعيد شبار مثالا بارزا على ذلك، يتجلى في فئة المسنين والمتقاعدين، هذه الفئة كان يعبر عنها في الأنظمة الشمولية ب ”الأفواه الآكلة غير المنتجة“ والتي يعبر عنها في نظام العولمة الحالي الشمولي الكلي ب ”المواطنين الفائضين عن الحاجة يقول ” الأنظمة الشمولية اعتمدت طريقة التسخين بواسطة الأفران والمحارق الغازية، كما حدث لقطاعات المسنين والمرضى الميؤوس منهم واليهود وأحيانا الجرحى الألمان أنفسهم، وتعتمد في الأنظمة الثانية طريقة التبريد بواسطة الملاجئ والمحاضن وبيوت العجزة والمسنين أي التحييد والعزل المنهجي لإنسانية الإنسان وكينونته الاجتماعية… أما في المرجعية المتجاوزة. فما أجمل أن نقرأ في القرآن الكريم عن هذه الشريحة قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾55 بل ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ 56 57

وحينما خلق الله الإنسان من طين، نفخ فيه من روحه فاصبح إنسانا مختلفا عن المادة التي خلق منها كائنا له عقل قادر على التمييز وعلى الاختيار بين الخير والشر ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾58 مما يعني وجود حيز إنساني مستقل عن الحيز الطبيعي/ المادي، وهو ما يمكن تسميته بالإنسان الرباني في إطار النزعة الربانية التي تفترض وجود عنصر في العالم لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة الطين/الرحم. فهو الذي يمنح الإنسان تركيبه المتناهية، ويولد فيه وعيه بنفسه ككائن مسؤول مستقل لا يذوب في الكل، وهو ليس الكل (وليس بالإله)59 ففي المرجعية المتجاوزة (الإسلامية) الله هو الخالق سبحانه والإنسان هو مخلوق مستخلف في الأرض، والمسافة بين الخالق والمخلوق محفوظة في إطار هذه الثنائية. يقول علي عـزت بيغوفيتش [Alija Ali Izetbegović] (1925-2003) : إن رفض هذا الموقف الحيواني، هي الحقيقة القاطعة للحياة الإنسانية على هذا الكوكب، قد تكون نقمة للإنسان أو نعمة، ولكنها تبقى الخاصية الوحيدة التي تميز الإنسان. 60

المرجعية الكمونية :إلغاء التركيبة الثنائية.

أشرنا - أعلاه - إلى أن أساس المرجعية المتجاوزة هو الحفاظ على الثنائيات الفضفاضة أي ثنائيات الخالق/المخلوق، الجسد/الروح، الدنيا/الآخرة، الله/الإنسان… الخ. أما في المرجعية الكمونية فإنها تلغى تماما ولا وجود لها. فالرؤية الحلولية تذهب إلى أن الإله، يحل في مخلوقاته ويلتصق بها، ويتوحد بها، إلى أن يصبح مثلها خاضعا لقوانين الطبيعة/المادة أي أن الإله قد مات حسب تعبير نيتشه هذا يعني أن العدل لا يمكن أن يوجد في الأرض، بل ستسود رؤية داروينية تذهب إلى أن المفاهيم الأخلاقية إن هي إلا مؤامرة الضعفاء على الأقوياء، وانه لا يوجد قانون في الأرض وإنما يوجد صراع. فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان والقيمة الأسمى هي البقاء، وآلية حسم الصراع هي القوة. 61 فالعالم حسب هذه الرؤية يحوي داخله المبدأ الواحد الذي يعتبر مصدر تماسكه وحركته ونموه، فهو يشبه الآلة الصارمة المادية وتقدم فلسفة اسبينوزا [Baruch Benedictus de Spinoza]) التي ”وحدت بين القاموس الصوفي اليهودي المسيحي والقاموس المادي الفيزيائي - أبلـغ شاهد على ذلك - 62. وتصل هذه الرؤية ذروتها عندما أعلن نيتشه موت الإله، وألَّـه الإنسان فالحلولية بذلك تهبط بالإله إلى الإنسان، فتؤنسن الإله وتؤله الإنسان، ولكنها تهبط بعد ذلك بكليهما إلى الطبيعة/المادة. فتجعلهما مستوعبين فيها، فيتحولان إلى مادة محض وبالتالي يختفيان، فسقف هذا الإنسان المتأله هو عالم الطبيعة/ المادة ويصبح هو مصدر القداسة وعادة ما يصحب هذا ظهور التفسيرات الحرفية المادية وإسقاط المجاز وأية ثنائية، مثل ثنائية الخالق والمخلوق ،السماء والأرض، الروح والجسد… 63 وهذا يعني أن العالم واحدي يمكن كشف قوانينه الصارمة، والتحكم فيه من خلالها بنجاعة. فالمنظومات الحلولية يتحول فيها الإنسان من كائن ثنائي متعال إلى عنصر مادي متحلل في نظام الطبيعة الصارم.

وعلى الرغم من أن هذه الحلولية تأخذ مظهريْن مختلفيْن في أوجه تعبيرهما، فإنهما متطابقان مضمونا وبنية، ويسم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رؤى في الكلام الجديد

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 9 سبتمبر 2008 الساعة: 17:59 م

                                                         بقلم: عبد الله إدالكوس

يرى العديد من الدارسين أن علم الكلام أو علم أصول الدين أو علم التوحيد..إلخ، تولد في فضاء الإستفهامات التي طرحتها مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة خصوصا منها المرتبطة بقضايا الذات الإلهية والصفات والقضاء والقدر…إلخ، وقد ازدادت هذه الإشكالات حدة من ناحيتي الكم و الكيف عبر المحطات التي شكلتها الأحداث التاريخية والسياسية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، كمسألة الإمامة و الخلافة التي برزت عقب  وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتساع مساحة الإسلام و الاحتكاك الذي تولد عنه بين الحضارة الإسلامية والحضارات المجاورة وتفاعل العقل الإسلامي بالمنتج المعرفي اليوناني  بالخصوص.                                                           

       فهذه عوامل تضاف إلى أخرى  ساهمت بشكل جلي في صياغة العديد من الأسئلة الكلامية والفلسفية ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية تجسدت في بروز مدارس كلامية ومذاهب في العقيدة، بعضها انبهر بالآلية العقلية التي يوفرها المنطق الأرسطي و البعض الآخر رفضه كما رفض الوافد المعرفي اليوناني عامة، فتطور الجدال و السجال بين هذه الأطراف،  كل يدافع عن مذهبه، وتوسعت القضايا وازدادت تشعبا وتفريعا حتى فقد علم الكلام حيويته وفاعليته واختزل في مقولات يكتنفها الغموض و التعقيد و التفريع و الحشو، فتحول بذلك إلى مجرد ترف فكري لا فائدة منه ولم تستسغه النخب  الجديدة حيث لم يعد قادرا على معالجة  الإشكالات  المعرفية الحديثة فضلا عن المشاغل الروحية للمسلم المعاصر، فبرزت بذلك محاولات جديدة لإعادة إحياء هذا الفكر في قالب جديد ، و البحث عن عصر ذهبي للثقافة الإسلامية بعد أفول شمعتها الأولى(1). وقد تجسدت هذه المحاولات في برامج العديد من المؤسسات البحثية و المراكز العلمية وفي كتابات عدد غير يسير من الباحثين و الأكاديميين، محاولات تروم في مجملها تحديث المنظومة المعرفية الإسلامية  و الاستفادة من المنجز المعرفي المعاصر وتجاوز النمط القديم في التفكير الكلامي .

  في هذا السياق المعرفي الجديد تبرز إسهامات الدكتور عبد الكريم سروش ، فالمتن الفكري الذي يحمله هذا الرجل مليء بقضايا وإشكالات تغتني بها المعرفة الكلامية الجديدة خاصة

 و الدينية عامة، وسنحاول في الأسطر القليلة المقبلة عرض و مناقشة هذه القضية- تجديد علم الكلام وإسهامات  سروش في ذلك- عبر نقطتين أساسيتين :الأولى في الحاجة إلى تجديد علم الكلام و الثانية في السيرة الفكرية للدكتور عبد الكريم سروش و إسهاماته في هذا المجال  على أن ما سنشير إليه لا يغني عن مراجعة ما كتبه و أبدعه رواد هذا الفن وحسبي في ذلك إيماءة تتغيى التعريف بنماذج فكرية وازنة من قبيل الدكتور عبد الكريم سروش.

   الحاجة إلى تجديد علم الكلام 

 أشرنا سابقا إلى أن علم الكلامي لم تعد له تلك القدرة المبدعة التي كان يتمتع بها في القرون الأولى ،فهو عاجز عن تغطية الحاجات الفكرية و النفسية للمسلم المعاصر، وهذا تقرير يكاد يجمع عليه الباحثون و الدارسون للفكر الإسلامي ،ويرجع عبد الجبار الرفاعي  – وهو أحد أبرز المشتغلين بقضايا تجديد علم الكلام – مناشئ عجز علم الكلام التقليدي عن الوفاء بهذه الحاجيات إلى عوامل منها :

1- هيمنة المنطق الأرسطي في الاستدلال على قضايا العقيدة .

2-  طغيان النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل.

3-  تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي .

4- تراجع دور العقل وشيوع التقليد.(2)

 فهذه عوامل تضافرت لتساهم بنحو مركب في ضمور سؤال الإبداع وخلق المعنى و الحيوية الفكرية في الكلام الكلاسيكي ، مما يسوغ تولد أصوات تدفع بتجديد علم الكلام، ليس بمجرد إلحاق مسائل جديدة به، بل بمراجعة شاملة لعلم الكلام في مستوياته الثلاثة : الأهداف و الموضوع و المنهج.

   فمجال التجديد في علم الكلام يشمل تحديات جديدة لم تكن موجودة في القرون الإسلامية الأولى ، من مثل نهوض الآخر وتراجع عالم الإسلام ..ومن مثل صعود الفلسفات المادية  و الوضعية وثقافة الحداثة وتفكيك وعدمية ما بعد الحداثة..ومن مثل التخلف الذاتي الموروث عن حقب التراجع الحضاري في مسيرة الأمة الإسلامية، وكذلك  التجديد في المناهج استفادة مما تحقق من التراكم المعرفي في هذا الميدان..و أيضا في لغة الخطاب و أساليب التأليف ومنطق الترتيب للأبواب و المسائل والمقالات، فلابد- يقول محمد عمارة- من تحلي علم الكلام الجديد بالبلاغة التي تراعي مقتضى حال العقل المعاصر، إن في الموضوعات أو أساليب التعبير و الخطاب أو هندسة البناء المفاهيمي و المعرفي لأدبيات هذا الطور الجديد لعلم الكلام.(3) .  ويرى الرفاعي أن التجديد إذا طال الأبعاد السالفة الذكر-الأهداف والموضوع و المنهج- فإننا سنشهد ميلاد علم جديد مغاير تماما لسلفه،لأن أبعاد كل علم تشكل نسيجا متكاملا فيما بينها ويوحدها التأثير المتبادل ،أي أن أي تحول في أحدهما يستتبعه تحول في سائر الأبعاد، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم،وحدوث منظومة بديلة يأخذ فيها كل بعد من أبعاد العلم موقعه الملائم ويعاد نظم المسائل في إطار يتسق و التحولات الجديدة في المسائل و الغايات و الموضوع و المنهج و اللغة و المباني ،  ومعنى ذلك تجديد الهندسة المعرفية لعلم الكلام(4).

   إن هذا التحديث لا يمكن تحققه دون الاستفادة و التفاعل مع التحولات التي شهدها العالم خلال القرون الأخيرة على المستوى السياسي و الاقتصادي و الفلسفي  و العلمي و التدفق الهائل للنظريات العلمية و الفلسفية التي تزخر بها حقول المعرفة المعاصرة و الإيمان بتاريخانية المعرفة البشرية ونسبيتها.

    هذه إذن هي الخطوط العريضة لمفهوم التجديد في علم الكلام، وتبقى إشكالية التأسيس تاريخيا لهذا النمط من المعرفة من القضايا المختلف فيها  بين الدارسين على اعتبار أن تجديد علم الكلام هو مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود معرفية وعلمية أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث ، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم ،ويعد العالم الهندي شبلي النعماني (1332هج) من أوائل من نحث مصطلح علم الكلام الجديد كعنوان لكتابه الذي نقله إلى الفارسية محمد ثقي فخر داعي كيلاني وطبعه في طهران سنة 1950 بنفس العنوان(5).لكن هذا لا يعني أنه المؤسس للتفكير الجديد في علم الكلام، بل هو واحد من الرواد الذين تشكل عندهم وعي بضرورة تحديث المنظومة الدينية بشكل عام و الكلامية بشكل أخص، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وحمد جواد البلاغي ومحمد الطاهر بن عاشور…وغيرهم كثير، فكل واحد من هؤلاء يشكل مدرسة قائمة بذاتها في التفكير الإسلامي الجديد ، غير أنه يمكن أن نصنفهم ضمن ثلاثة أزمنة للاتجاهات الجديدة في علم الكلام:

الزمن الأول  : يتمثل بتأسيس المعتقد على العقل و العلم،كما في آثار الأفغاني وتلميذه محمد عبده ومحمد فريد وجدي وحسين الجسر وهبة الدين الشهرستاني وغيرهم.

الزمن الثاني: 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محمد إقبال: السياق التاريخي والوعي بضرورة التجديد

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 19 أغسطس 2009 الساعة: 13:19 م

محمد إقبال: السياق التاريخي والوعي بضرورة التجديد

عبد الله إدالكوس

شهد الوعي العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر، تحولات شديدة العمق وتغيرات حادة بسبب عوامل سياسية وأخرى اقتصادية واجتماعية وفكرية، ترجع في مجملها إلى التحدي الحضاري الذي شكله الآخر الأوربي " بهذا اتخذ الفكر العربي نسقا آخر حيث جعل في أفق منظوره " الآخر المختلف واعتبره خصما له مهدد لكيانه الاجتماعي والحضاري- فسعى إلى أساليب جديدة تعيد إليه نضارته، لأن المفكرين في القرن التاسع عشر قد بدؤوا يفكرون في واقع التأخر الذي بات يخيم على واقعهم مقارنة مع الوافد الآخر. وستغذي هذه الموضوعة كوكبة من المفكرين المسلمين من ذلك جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في إطار الصحيفة العربية العروة الوثقى والمفكر محمد إقبال.

       هذه الموضوعة هي التأخر، عالجوها بمقابلتها بنقيضها وهي موضوعة التقدم والترقي والتفوق التاريخي الكامن في الحقل الغربي، وتعمل هذه الكوكبة من المفكرين على صياغة الحلول قصد الخروج من هذا المأزق الحضاري، فبدأ الحديث عن إعادة فتح باب الاجتهاد وإعادة قراءة الأصول قراءة حديثة مواكبة في ظل الفتوحات الفكرية والنظريات الفلسفية الناشئة حديثا، لأن هذه النخب واعية لأهمية مقولة "الواقع التاريخي" وصيرورته وهذا الإدراك سبيل إلى إعادة النظر في المقولات والمسلمات وفقا للمنظور الجديد لكن دون التضحية بالهوية وبالأصول، فمحمد إقبال مثلا تنطوي مؤلفاته المتعددة الأغراض على نداء إلى السلفيين والعصريين، إلى العلماء والباحثين المسلمين إلى تأويل السنة وقراءة القرآن قراءة جديدة، مع التمسك بالتوحيد"  وهو المفكر الذي "قاده شغفه المبكر للفلسفة إلى دراستها وتحصيلها في جامعات بريطانيا وألمانيا واقترب كثيرا من الفلسفات الأوربية الحديثة وتعمق في دراستها وتكوين المعرفة بها، ووجد فيه الأساتذة الأوربيون بأنه يمثل الطالب الذكي الذي يستحق العناية والاهتمام به، لهذا فقد كان من السهل على إقبال أن يصبح مفكرا متغربا، وتلميذا نجيبا للثقافة الأوربية. كما حصل ويحصل مع الكثيرين في العالم الإسلامي الذين مروا بمثل تجربة إقبال، مع ذلك بقي إقبال محافظا على جوهره الديني ومتمسكا بعقيدته وشريعته، ومدافعا قويا وبدون مواربة عن الإسلام والأفكار الإسلامية ومحاججا المفكرين الأوربيين في أفكارهم وفلسفاتهم" .

       وتكمن أهمية إقبال في جانب آخر في كونه مفكر إسلامي خارج السياق العربي وهو ما سمح بتعدد روافده الفكرية يقول حميدة النيفر: " كان العمل الفكري لمحمد إقبال موصولا بالتراث الثقافي الهندي والفارسي وبتكوين معرفي أوربي فهو مفكر عالج مسألة الإنسان من خارج الثقافة العربية فكان له موقع يمكننا من رؤية وتمش مختلفين للعلاقة التي بين الإسلام والتاريخ. لم يكن إقبال عربيا ولم يفكر بالعربية وهو رغم شديد إعجابه بالجزيرة العربية ورسالتها الحضارية يقدم رؤية إسلامية للإنسان والزمان من خارج الفضاء العربي" .

       أبدع محمد إقبال في الشعر فكتب دواوين حملها تصوره الفلسفي الذاتي وفكره الخاص عبر قوالب من القوافي ترجمت إيمانه الشديد بالوحدة بين مجالات التعبير الإنساني التي تجمعها غاية واحدة، لكن إقبالا عرف واشتهر بمؤلفه الذائع الصيت "تجديد التفكير الديني في الإسلام" بأكثر من غيره- وهو عبارة عن محاضرات ألقاها إقبال باللغة الإنجليزية، ما بين 1928م 1929 تلبية لطلب الجمعية الإسلامية في مدارس بالهند صدرت في كتاب باللغة الإنجليزية مع بداية ثلاثينات القرن العشرين ولم تترجم إلى اللغة العربية، إلا في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، يقول عن هذا الكتاب: " لقد حاولت في هذه المحاضرات التي أعددتها بناء على طلب الجمعية الإسلامية بمدارس وألقيتها في مدارس وحيدر آباد وعليكره بأن أحاول بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدا، آخذا بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة واللحظة الراهنة مناسبة كل المناسبة لعمل كهذا" .

       يقول زكي الميلاد: " جدير بالعالم الإسلامي أن يتذكر ويفتخر بوجود مفكر وفيلسوف مثل محمد إقبال فمن يتعرف على أفكاره وأشعاره يتملكه الإعجاب به، وهو من طبقة المفكرين الكبار ومن الفلاسفة الذين يذكرون بفلاسفة المسلمين السابقين، وقد كان صاحب فلسفة عرف بها، هي الفلسفة الذاتية، حيث يرى أن هدف الإنسان الديني والأخلاقي هو إثبات الذات لا نفيها، وكماله يتوقف على قدر إثبات ذاته وتمكين استقلاله وأن الذات العليا هي المثل الأعلى للإنسان وكلما تخلق الإنسان بأخلاق الله كما جاء في الأثر قرب من كماله، وتنقص ذاته على قدر بعده من الخالق، وهذا يعني أن إقبال لم يكن فيلسوفا بلا فلسفة، كما لم يكن مقلدا أو تابعا لغيره بل كان صاحب نزعة فلسفية تجديدية" .

 

جدلية النص المقدس والوعي التاريخي في منظومة إقبال التجديدية.

       يعتبر الدكتور حميدة النيفر كتاب تجديد التفكير الديني في الإسلام بمثابة " الإسهام الحاسم في الدفع بالمفهوم التجديدي إلى السياق التأسيسي والخروج به نهائيا من حالة الاستهجان وما صاحبها من القلق والغموض (فقد) كان محمد إقبال المفكر المسلم الأول في الفترة الحديثة الذي طرح على النخب العربية مسألة التجديد من الداخل الثقافي قصد تأسيس لها قائم على فكر نسقي يعمل من أجل الوصول إلى آليات إنتاج معرفة جديدة عبر حركة تبادل وتداول بين فكر قديم له تاريخيته وفكر جديد له راهنيته" .

       فمحمد إقبال ما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التجديد و الحاجة إلى ترشيد الحوار الحضاري

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 11 سبتمبر 2008 الساعة: 23:35 م

بقلم عبد الله إدالكوس

دخل العالم بعد الحروب الكبرى التي شهدها النصف الأخير من القرن العشرين مرحلة حرجة بين الحضارات و الأديان أفضت إلى الوعي بضرورة التأصيل للحوار الحضاري و الديني أثمر العديد من المؤتمرات و الملتقيات العالمية و المحلية، لكن يطبعها قي الغالب منطق التبرير و المهادنة الإيديولوجيين بدل التأسيس لقيم التعايش و التسامح و الحوار تأسيسا معريا و تربويا هو وحده الكفيل في صياغة النموذج البديل

إلى أن برزت على الساحة الفكرية و السياسة في بداية التسعينيات من القرن الماضي فكرة صراع الحضارات لصاحبها صمويل هانتيغتونغ وفكرة نهاية التاريخ لفوكياما وهما رجلان أكاديميان يشتغلان بالفكر و المعرفة و الفكرتان تمثلان في العمق منهج التفكير السائد في الحضارة الغربية المبني على التمركز و الاستعلاء موظفا من أجل ذلك ترسانة من المفاهيم و المصطلحات تحمل في الظاهر صبغة العلمية لكنها تخفي تحيزا للنموذج الغربي وتبشر بفلسفات و أنماط من الحياة الاجتماعية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها أوصلت الإنسان إلى باب مسدود . وما المشروع التبشيري لهنتينغتونغ وفوكياما إلا صياغة جديدة لنتشوية(نسبة للفيلسوف الألماني نتشه) تعلن موت الإله وتأله الإنسان أو بالأحرى تأله الإنسان الغربي، كما أفضت العلمانية في صيغتها الشاملة إلى تفكيك الإنسان نفسه عبر إلغاء الثنائية المركبة:المادة /الروح التي تطبع الإنسان الرباني أو الإنسان/الإنسان على حسب تعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري و التبشير بالإنسان المادي ذو البعد الواحد ونقله إلى عالم الأشياء بعد حوسلته(أي تحويله إلى وسيلة) لتحقيق اللذة و الغاية في الوصول إليها تبرر الوسيلة مهما كانت هذه الأخيرة ولو كانت على حساب إنسانية الإنسان وما تنامي ظواهر مثل الشذوذ الجنسي إلا تعبير عن هذه الوضعية وقد تكون على حساب شعوب وحضارات وما النموذج العراقي ببعيد عنا.
  في ظل هذه الوضعية الراهنة التي تطبع العلاقة بين الحضارات يقع على عاتق الأمة الإسلامية و الفكر الإسلامي مهمة الإنقاذ و الترشيد بإعادة الاعتبار للقيم المعنوية و إحياء المعنى بعد أن تم وأده غير أن الأمر ليس بهذه السهولة ،حيث إن الفكر الإسلامي المعاصر يعاني من أزمة خطيرة ومركبة في الآن نفسه والسبب في ذلك راجع لغياب وضمور روح الإبداع فهي الضامن الوحيد للفكر الإسلامي للإنخراط من جديد في البناء الحضاري كما كان في سابق عهده زمن التنزيل، وهذا الانخراط يتطلب الوعي بالآليات المعرفية السائدة في الفكر ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بقلم عبد الله إدالكوس

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 26 مارس 2008 الساعة: 16:33 م

التعليل عند فلاسفة الإسلام

"ابن رشد " نموذجا

 

اعتبرت إشكالية التعليل من أبرز الإشكاليات التي طرحت ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية في سياق التناظر الكلامي و الفلسفي بين الفرق الإسلامية فيما بينها من جهة والتفاعل المعرفي بين المنظومتين الإسلامية و اليونانية من جهة ثانية.

 بيد أن ما قدمه فلاسفة الإسلام في مجال التعليل تأثر بشكل واضح بما أنتجه فلاسفة اليونان حتى ذهب بعض الدارسين إلى اعتبار ما قدمه فلاسفة الإسلام لا يعدو أن يكون سوى ترجمة حرفية لمذهب أرسطو في العلة كما جاء في كتاب "المنطق"،فقد حاول هؤلاء الفلاسفة نذكر منهم بالخصوص الفارابي و الكندي و ابن رشد وابن سينا الاستعانة بالمنطق الأرسطي في الدفاع عن العقائد الإسلامية. وفي هذا السياق يقول ابن رشد في فصل المقال"إذا كان الفقيه يستنبط من قوله تعالى ( فاعتبروا يأولي الأبصار) وجوب معرفة القياس الفقهي فبالأحرى أن يستنبط منه العارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي"1 فأشد ما أنكر ابن رشد على الأشاعرة هو رفضهم لمبدأ القياس العقلي حيث إن الجمع بالعلة باطل ،لأنه لا علة و لا معلول عند الأشاعرة  ،و المقصود من إنكار الجمع بالعلة إنكارها من الناحية العقلية،لأن الأشاعرة أنفسهم اعترفوا  بمبدأ العلة في القياس الأصولي و لا يقبل ابن رشد هذا النقد الذي يوجه إلى قياس الشاهد على الغائب من ناحية أنه لا صلة ولا ضرورة بين الشرط و المشروط و بين الشيء و علته ودليله. ثم يرجع القول بهذا كله إلى السفسطائيين، و يقرر أن المتكلمين وعلى رأسهم إمام الحرمين إذا كانوا ينتقدون قياس الغائب على الشاهد على هذا الأساس فإنهم قد تأثروا في هذا النقد بهؤلاء السفسطائيين و لا يضيق ابن رشد بنقد قياس الغائب على الشاهد في ذاته بقدر ما يضيق بنقد العلاقة الضرورية بين العلة و المعلول.2 .

  فالعلاقة بين العلة و المعلول فيما ذهب إليه ابن رشد علاقة تلازمية ،أي أنه كلما وجد ت العلة وتحققت شروطها مع انتفاء الموانع استلزم ذلك وجود المعلول ضرورة وهذا ما يحكم به العقل السليم ، وابن رشد في هذا لم يخرج عن ما جاء به معلمه الأكبر"أرسطو" فهذا الأخير يعد مبدأ العلية من المبادئ  الأولية العقلية الذي فيه ترتبط العلة بالمعلول ارتباطا لا ينفك عن الآخر مطلقا إذ طبقا لهذه النظرية يعتبر المعلول ليس له وجود مستقل عن العلة،بل إنه ينبثق منها بحيث ليس له حقيقة أخرى وراء هذا الارتباط و التعلق ،فكل قطع لهذه الرابطة يعني إفناء لوجوده ،وعليه يصبح كل ارتباط بين شيئيين لا يتحقق به تعلقا وجوديا لا يجري عليه حكم العلة.3 .

  لقد اشرنا سابقا أن الأشاعرة رفضوا هذا المذهب في التعليل فالغزالي وهو من أهم المنافحين عن مذهب الأشاعرة يرى أن من أهم المساءل التي يخالف فيها الفلاسفة في هذا العلم مذهبهم بأن الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب و المسببات اقتران تلازم بالضرورة ،فليس في المقدور و لا  في الإمكان  إيجاد السبب دون المسبب ،ولا وجود المسبب دون السبب4 . فالاقتران بينهما عند الغزالي منشأه العادة أي مما يبدو لنا بفعل التكرار،وتجدر الإشارة إلى أن ما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بقلم: عبد الله إدالكوس

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 17 مارس 2008 الساعة: 22:29 م

      الإجتهاد بين النص والتاريخ

مدخل                       

إذا كان النص هو مركز الحضارة الإسلامية حتى قيل إنها حضارة ” نص” فذلك راجع إلى أن الوحي يعتبر محورها ولبها الأساسي و الضامن لاستمرار عطائها ولوجودها عبر التاريخ.

ويعدالاجتهاد ضمن أهم الآليات التي تضمن لهذا النص الفاعلية و الاحتكاك الدائم مع واقع الأمة ومتغيراتها ، و أي تعطيل لآلية الاجتهاد يعد تعطيلا للنص وبالتالي ركود روح الإبداع في الأمة وهذا ما سجله التاريخ.

  وقد ارتأينا أن نقف في هذا المدخل عند مفهوم الاجتهاد قبل الخوض في هذه الإشكالية.

   قال ابن الأثير “الاجتهاد بذل في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد الطاقة”1 وفي هذا المعنى وردت أحاديث منها ما جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم “صلوا علي واجتهدوا في الدعاء”2 ومنه أيضا قول عائشة رضي الله عنها” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”3.

  فالاجتهاد بذل للجهد وقد تطور مفهوم الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين ليحيل على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية قال أبو حامد الغزالي” هو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا في ما فيه كلفة وجهد… لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة”4.

  وقال الدهلوي”حقيقة الاجتهاد هو استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلة الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام :الكتاب و السنة و الإجماع و القياس”5 .

  الملاحظة الأساسية المستخلصة من هذه التعاريف هي أن الاجتهاد لا يكون بمعزل عن ذات المجتهد فهو من يفرغ وسعه ويستخلص الحكم،ومعلوم بالضرورة و البداهة أن المدارك و القابليات  و القدرة على الاستنباط تختلف من شخص لآخر،وهذا يستلزم بالضرورة  اختلاف اجتهادات المجتهدين باختلاف هذه العناصر.فما هو الثابت و المشترك بين هذه جميع الاجتهادات  وما هو المختلف فيه؟ وكيف يمكن قراءة هذه الاجتهادات؟ هذا ما سنحاول ملامسته في شيء من الدقة و الإيجاز في نقطتين أساسيتين:الأولى حول الثابت و المتغير و الثانية  حول الوعي التاريخي و الاجتهاد المعاصر.

  

الاجتهاد وجدلية الثابت و المتغير.

إن الإقرار بمبدأ صلاحية الرسالة الإسلامية لكل زمان ومكان يدفعنا إلى البحث في إشكالية تعد من أخطر الإشكاليات المطروحة على العقل الإسلامي، وهي كيف يمكن أن نوفق بين النص الديني المتعالي من حيث المصدر و الخطاب و الثابت والمحدود نطقا و شكلا،وبين الواقع النسبي و المتغير بتغير أحوال الزمان و المكان؟ 

   إن هذه الإشكالية ليست وليدة اللحظة التاريخية المعاصرة ، و إن كانت تفرض نفسها بشكل أكثر قوة وتعقيدا من ذي قبل لأسباب ترجع في مجملها إلى التدفق الهائل لمشكلات الحضارة المعاصرة بحمولتها المعرفية و الفلسفية المدمرة للأنساق المغلقة و المنفتحة في نفس الوقت على عصر الحداثة و ما بعد الحداثة،ومع ذلك فقد كانت هذه الإشكالية حاضرة بشكل لا يخلو من أهمية عند علمائنا الأوائل فقد عبر عنها أبو حامد الغزالي بقوله”إن الوقائع لا حصر لها ،بل هي في الإمكان غير متناهية و النصوص لا تفرض إلا محصورة متناهية ،ولا يحيط قط ما يتناهى مع ما لا يتناهى…فإن المسطورات  محصورة و الممكنات لا حصر لها ..فبالضرورة لابد من تحكيم الظن في التعلق بصيغ العمومات”6 .

  الإجابة التي يقدمها أبو حامد الغزالي لحل هذه الإشكالية هي تحكيم الظن في استخلاص الأحكام وهذا لا يكون إلا بعد بذل الجهد في بيان ما أبهم أو ما لا حكم فيه، فالاجتهاد يكون في غير القطعيات و الموصفة بالمظنونات ،وهنا أريد أن أشير إلى أن القول بانحصار منطوق النصوص لا يعني انحصار مدلولاتها، يقول الحق جل شأنه(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)-النحل 89-(وما فرطنا في الكتاب من شيء)-الأنعام38-، وسيأتي بيان ذلك.

 فالاجتهاد هو فتح لمسالك التفاعل مابين النص و الواقع فهو ” يتموضع في الامتداد التأويلي للواقع ويتم استعماله قصد تعديل أو تجديد الوجود في علاقته بالمعرفة،وبعبارة أخرى إنه التعبير عن تسرب الإنسان في الشريعة وعن انخراطه الذاتي النشيط في “المنزل ” ولذا فإن عرض أنماط الاجتهاد ودرجاته القياسية هو عرض لتاريخ ذلك التسرب نفسه وذلك الانخراط”7 . ومعنى هذا أن حركة التغير التي هي خاصية ذاتية في الواقع تفرض تجددا مستمرا للع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مزايا النظام الشمولي ومقاتله

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 17 فبراير 2008 الساعة: 15:30 م


خالص جلبي

جاءني من خلدون السوري خبر اعتقال رياض سيف والعشرات ليقدموا إلى محاكم ثورية أمام قضاة من رجال المخابرات في ملابس سود مثل دراكولا الليلي بأحكام جاهزة من رجالات الحزب ومفتي الجمهورية وآيات من القرآن ونصوص من مختارات الحزب القائد.
يمتاز النظام الشمولي بثلاث صفات:
ـ أولا: أن كل الأمة منظمة ضمن تنظيمه. وفي مجال مرسوم بالنانومتر. ومحصي بدقة تفوق الانترنيت. وفوهات للتعبير رسمها رجال الحزب ووعاظ السلاطين وفقهاء الأجرة، ضمن ما يرى ويسمع ويشم ويحس ولو كان دبيب نملة أو طنين نحلة. تحت رحمة ديناصورات الأجهزة الأمنية.
ـ (ثانياً): أن كل معارضة وأي معارضة هي خيانة وهرطقة وحرام وعيب وخارج تقليد البلد. وكل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب.
ولكن من هم أعداء الشعب؟؟؟… إنها كلمة ملغومة يمكن أن تتحول ضد كل الشعب في أي لحظة.
 وسبب هذا الخوف الهائل عند النظام الشمولي أن المعارضة تعني عمل (العقل) و(الاستقلالية)، وأنها نوع من الدعاية الخفية أن هناك ثغرة في الأوضاع قصر فيها النظام الشمولي، ولذا اعترضت المعارضة وأبدت الرأي. ولكن هذا يمثل خللاً خطيراً بقدسية وإلوهية النظام الشمولي لأنه نظام لا يقترب منه الخطأ، أو يعتريه النقص، أو يمازجه الهرم، أو يصيبه المرض، ولا تأخذه سنة ولا نوم. ومتى مرضت الآلهة أو اعتراها الضعف والنقص أو ارتكبت الخطأ؟
وهذا ينعكس بشكل واضح في رأس النظام الطاغية، والرهط المفسدون من حوله، والنخبة التي تمثل الحلقة الثالثة في تركيبة الديكتاتورية؛ فالزعيم ملهم ومقدس. كلماته وحي. وشعره خالد. وخطبه معلقات. وأقواله مأثورات تعلق في لوحات مضاءة لتثقيف مواطن غبي جاهل.
ولذا ارتفعت صوره في كل ساحة. ووضعت تماثيله في كل ركن. وحفظت أساطيره في الإذاعة والتلفزيون كخزان للطاقة والاستلهام العبقري، من رحم أمة عقيم. فلم تنجب ولن تنجب سواه إلى يوم الدين.
 ـ ويمتاز (ثالثاً): أن أي تنظيم يجب أن يعرف فوراً ويسحق من ساعته، لأن النظام يعلم علم اليقين كما قال ذلك أحد مجرميهم في مقابلة لمراسلة من مجلة در شبيجل الألمانية (سوزان كليبله) أنه كان يوقع على إعدام 150 شخصا فقط في دمشق أسبوعيا؟!.
وهم ثوريون يعرفون كيف وصلوا للسلطة وأفضل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل أصبحنا سقفَ العالـــم ؟

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 19 ديسمبر 2007 الساعة: 23:34 م

بقلم: يوسف بن الغياتية

ومن الناس في بلداننا ممن يتطلعون بيأس للخروج من جحيم هذه البلدان، فيكونون مثل "عُطَيْـل" بمعناه الحرفي

 

أي "الخارج من الجحيم". ويمكننا أن نطرح سؤالا مركزيا هو: "لِمَ أصبحت بلداننا جحيما – على الأقل من وجهة نظر هؤلاء؟" وكأني بهم حين يغادروها سيجدون البلاد الأخرى في انتظارهم بالتمر والحليب، أو ربما استقبلوهم استقبال أبطال فاتحين.

 

ومن الناس من يُحَمّل الوضع إلى المسؤولين القائمين على الأمور بأنواعهم، من قمة الهرم إلى قاعدته لكن، إذا سألت القمة عن الحال رأيتها تسارع إلى تحميل المسؤولية بدورها إلى القاعدة (نقصد قاعدة الهرم) ولئن سألت الأخيرة رأيتها تُسابق إلى اتهام الأولى. وهكذا، - إن نحن بسّطنا الأمور – سنقع في قصة الأصل : البيضة أم الدجاجة، ولن نخرج من حال "سيزيف" تلك.

 

بيْد أننا لو نظرنا إلى الأمر من زاوية التشارك لرأينا أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يبقى هو الشجاعة مع النفس قبل الآخر. إذ ينبغي الاقتناع بأن التخفي وراء الآخرين وتعليق الفشل عليهم أو ما يُطلق عليه بعضهم مشجبا، لن يخرجنا من هذا الجحيم، وسيبقى مالك (خازنُ النار وليس الإمام) يشجعنا على الدعاء، وهو يعلم أن دعاء الكاف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أزمة خطبة الجمعة

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 17 ديسمبر 2007 الساعة: 23:54 م

خالص جلبي


كل يوم جمعة يجتمع المؤمنون للصلاة وسماع الخطبة. ويستنفر نصف جيش من المخابرات لتسجيل الكلام ورفع التقارير، فلعل فيروساً خطيراً مر من أقنية الكلام. وكل يوم جمعة ترتج إسرائيل وحكومات العالم الإسلامي خوفا من اندلاع المظاهرات بعد كل صلاة. وهكذا تحول اجتماع يوم الجمعة إلى زلزال اجتماعي متكرر للمعارضة والتعبير تحبس إسرائيل والأنظمة الشمولية أنفاسها مع كل دورة له حتى ينجلي الخطر.
وفي معظم الأحيان يكتشف الجمهور أن صوته مصادر في هذا الاجتماع لحساب وعاظ السلاطين. فمنذ أيام يزيد بن معاوية يصعد كل يوم جمعة نفس الخطيب ويكرر نفس الديباجة. ويعيد نفس الدعاء للسلطان بالحفظ والصون. ويتلقى الموجة جمهور أخرس أتقن الصمت بختم على الفم أكبر من ختم الحبل السري على البطن، ليسمع حديث واعظ في قضايا لا تستحق الاجتماع، فلا يزيد الحديث فيها عن فواكه الجنة في الوقت الذي لا يجد فيه المواطن رزق عياله، وعن الآخرة في الوقت الذي يحتضر فيه المواطن كل يوم مرتين. وعن فرعون ذي الأوتاد في الوقت الذي طغى فيه الحاكم في البلاد فأكثر فيها الفساد.
ورُوِي لي من بلد عربي أن خطب الجمعة تكتب بيد موظف وصي على عقول الناس وترسل بالفاكس إلى خطباء كل المساجد كي يقرأوا خطبة واحدة موحدة مؤممة، فهذا أريح لوجع الدماغ.
وفي مدينة مونتريال في كندا حضرت خطبة وصلاة الجمعة فظننت نفسي في مسجد الأتراك في حي قاسيون في دمشق. فلم يزد الحديث عن مواعظ عثمانية وأدعية عدوانية بأن يدمر الله الكافرين جميعا وعائلاتهم. في الوقت الذي منح فيه الكنديون المسلمين الجنسية ومعها الرزق الوفير والدراسة المجانية والأمان من جَلْد المخابرات وتقارير الشرطة السرية، وهو يؤكد ان مرض الأمة ثقافي. وهنا انتقل الواعظ بدون السلطان من الشرق إلى الغرب ومعه كل الثقافة المحنطة الميتة.
وفي مكان ما حضرت خطبة في مسجد، فحول الخطيب الخطبة إلى مناسبة فقهية في الاستنجاء والاستبراء بالحجارة مع أن الناس لم تعد تستخدم الحجارة في دورات المياه منذ أيام الاستعمار الفرنسي.
وفي بلدتي التي عشت فيها طفولتي كان الامام يخطب من كتاب ابن أبي نباتة من أيام السلطان قلاوون. وهناك 52 خطبة على مدار السنة وحسب المواسم. وكنا صياماً فتحدث عن الحج، ثم انتبه إلى أنه بدل المواسم فبدأ يقلب على عجل عن الخطبة المناسبة بعد ان ضل طريقه إليها، ولم ينتبه الجمهور لما حدث لأنه لا يسمع شيئاً. فقد اعتاد الحضور منذ عشرين سنة واعتاد النوم عشرين سنة ولم يفقه عشرين كلمة وكانت نكتة ولكن لم يضحك أحد.
وفي بلد عربي كان الخطيب يدعو بحرقة على طوائف لا نهاية لها بالتدمير الكامل وتيتيم الأطفال وترميل النساء وان يريه عجائب خلق اللّه فيهم. وكان أكثر حماسه عند الدعاء على العلمانيين ان يقتلوا عددا ويهلكوا بددا ولا يبق منهم أحدا. كرّر ذلك ثلاث مرات وصوته مختنق بالبكاء والجمهور يؤمن على المذبحة الجماعية والمستمع مرتاع بين التأمين والاستنكار.
وفي القاهرة وأمام أحد المساجد كانت الاشرطة السمعية تباع بالعشرات لواعظ يعلو صوته هدير محرك نفاث، يعتمد فرقعة الحنجرة أكثر من الألعاب النارية في العيد. يصغي له الجمهور بخشوع تقشعر منه الجلود. ومما لفت نظري روايته عن فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) انه لم يأتها الطمث قط فاعتبرها معجزة. وكان الجمهور المخدر يصيح اللّه أكبر. ونحن نعرف في الطب ان الدورة الشهرية عند المرأة طبيعية وصحية، ولها قانونها الذي يسري على جميع بنات حواء، وهو ما كان رسول الرحمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلمه للمؤمنات كل يوم. ولا تؤدي زيادة أيامها أو انقطاعها إلى معجزة، بل قد تكون مؤشراً على مرض مثل فقر الدم. ولكن الدجل يمكن ان يحارب الإسلام بإسلام مزيف، كما في تبديل الدواء إلى سم بقلب جذر الهيدركسيل في المركب الكيمياوي بدون تغيير في وزنه الذري.
إنه عهد اغتيال العقل الجماعي المنظم بدون مشانق وفرق إعدام. هذه الأمثلة تعني أن خطبة الجمعة مصاد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأنشودة الإسلامية ذلك البديل المتوهم؟

كتبها عبد الله إدالكوس ، في 17 ديسمبر 2007 الساعة: 19:27 م

بقلم : عبد العزيز راجيل

مع تنامي الصحوة الإسلامية وما صاحب ذلك من تحول في بنية مجتمعنا المغربي على مستوى تدين أفراده، وانسجاما مع الموجة الجديدة للتدين وتطلعات شباب الصحوة الإسلامية نحو وضع يتسق وما يحملونه من قيم إسلامية،

وتأثرا بما حدث في المشرق  في هذا الإطار، بدأ التفكير في خلق ما يسمى ببدائل تحل محل ما هو سائد/مرفوض،وإحلال محله ما هو غائب/مشروع . وقد وجد أبناء التيار الإسلامي الموجة الفنية السائدة التي تتناغم مع تعاليم الدين وتهدم القيم وتحطم الفضيلة،فقاموا بإنتاج شكل فني يلبي حاجة هذه الفئة في فن السماع ،بمنأى ما هو منتشر من الأغاني الماجنة والهابطة،ويتعلق الأمر بظهور فرق ومجموعات للإنشاد والأنشودة  الإسلامية والمديح.

 

غير أن ما  لفت نظري ، هو أنه إلى حدود الآن ، لم تستطع هذه الفرق الإنشادية أن تساير التطور الحاصل في الميدان الفني الغنائي منه بالتحديد، مما جعلها- في اعتقادي- تراوح مكانها، فأضحت امتدادا لتنظيمات إسلامية يغلب عليها الطابع الحزبي الطائفي الضيق الأفق، ولم تستطع – طبعا- أن تستقطب جمهورا واسعا ناهيك أن تكتسح إنتاجاتها السوق الفنية بالرغم  من توفرها على مواهب وطاقات، الشيء الذي يجعلنا نتساءل عن بواعث تخلف هذا النوع من اللون الفني عن مسايرة الركب أداء ولحنا وكلمة فلماذا يا ترى لم ترتق الأنشودة الإسلامية إلى مستوى الريادة إنتاجا إبداعا وانتشارا.؟؟

 

والحديث عن هذا اللون يدفعنا بداية إلى الوقوف عند مصطلح الأنشودة الإسلامية والمراد منها، في أوساط الإسلاميين وغيرهم وعن الأوضاع الأساسية والمركزية التي تؤلف النشيد الإسلامي  ثم نختم بالمساهمة بملاحظة ومقترحات عامة.  

ما أقصده بالأناشيد أو الأنشودة الإسلامية حسب ما تعورف عليه بين أبناء الصحوة الإسلامية وهي ذلك اللون الغنائي الذي تؤديه فرقة أو مجموعة من الأفراد دون استعمال الآلات الموسيقية ما عدا الدف و"الدربكة" ومتعارف لدى الناس بالأناشيد الدينية أو الأمداح النبوية.

وقفة مع التسمية

من خلال هذه التسمية نلحظ إلباسا لهذه الأناشيد صفة الإسلامية أو الدينية وهذا يعني أن ما عداها من الأغاني عموما غير ديني وهكذا فمن خلال التسمية (المركب الإضافي) يتم إضفاء صفة الإقصاء والطائفية عليها وكان بالإمكان ترك لفظ الأغاني وحدها وتلف طبعا برؤية إسلامية عندئذ تصبح العبرة بالمعاني وليس بالمباني، مع العلم أن مصطلح الغناء كما جاء في جل القواميس من الطرب والتطريب والترنم الذي قد يكون مصحوبا بالموسيقى أو غير مصحوبا بها.

الأضلاع الأساسية للأنشودة الإسلامية

-  على مستوى الكلمة:

بما أن الأنشودة في أصلها اللغوي ،هي عبارة عن الشعر الذي ينشده القوم بعضهم بعضا، فمرتكزها الكلمة، والكلمة تعتبر العمود الفقري للأنشودة، فهي بمثابة الشمس المضيئة التي ترسل أشعتها للأذن ومن ثم القلب فتحدث ذلك التأثير المبتغى، إذا صيغت في قالب لحني مناسب، بيد أن الكلمة في الأناشيد الإسلامية تتسم بالبرودة والجفاف، وإيغالها في المباشر والتقريرية، لأنها لا تزال تستمد من حقل دلالي واحد فقط فعوض الاستفادة من المجال الكوني الرحب والاجتماعي/والإنساني، فنجدها تقتصر على –الديني-الذي له خصوصية ومناسبة،ودون التقليل من أهميته بالطبع، ولذلك أخطأ رواد  الأنشودة حينما اعتبروا أنه مجرد أن تكون ألفاظ وعبارات-إسلامية-يكون النشيد إسلاميا.  

-على مستوى اللحن والأداء:

يقال أن متعة الغناء يكون سببها، التناسق بين الكلمات والأوزان والإيقاعات والألحان، إضافة إلى الصوت الجميل المؤثر، ولذلك فمعظم الأناشيد الإسلامية التي تروج في أشرطة، ذات تسجيل رديء نلحظ غياب الكلمة الأخاذة الحلوة وكذا اللحن الهادئ الجميل، وقد تتوفر أحيانا الكلمة، ولكن لا تكون متناسقة مع اللحن المختار لها، وهذا طبيعي لأن أغلب المجموعات ليس لها إلمام عميق بعلم الموسيقى، ولكن عندما يتسق اللحن الجميل بالكلمة الحلوة/نحصل على لوحة غنائية جذابة للمستمع المتعة واللذة والفرجة والفائدة،وتزداد الأغنية/الأنشودة رونقا حين تلف وتستبطن في ثناياها تعبيرا عن رؤية ثقافية وحضارية.

وط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



رأيك يهمني كثيرا فلا تبخل به


التالي



الآراء و الواردة في هذه المدونة لا تعبر بالضرورة عن موقف صاحب المدونة