بقلم: عبد الله إدالكوس
يرى العديد من الدارسين أن علم الكلام أو علم أصول الدين أو علم التوحيد..إلخ، تولد في فضاء الإستفهامات التي طرحتها مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة خصوصا منها المرتبطة بقضايا الذات الإلهية والصفات والقضاء والقدر…إلخ، وقد ازدادت هذه الإشكالات حدة من ناحيتي الكم و الكيف عبر المحطات التي شكلتها الأحداث التاريخية والسياسية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، كمسألة الإمامة و الخلافة التي برزت عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتساع مساحة الإسلام و الاحتكاك الذي تولد عنه بين الحضارة الإسلامية والحضارات المجاورة وتفاعل العقل الإسلامي بالمنتج المعرفي اليوناني بالخصوص.
فهذه عوامل تضاف إلى أخرى ساهمت بشكل جلي في صياغة العديد من الأسئلة الكلامية والفلسفية ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية تجسدت في بروز مدارس كلامية ومذاهب في العقيدة، بعضها انبهر بالآلية العقلية التي يوفرها المنطق الأرسطي و البعض الآخر رفضه كما رفض الوافد المعرفي اليوناني عامة، فتطور الجدال و السجال بين هذه الأطراف، كل يدافع عن مذهبه، وتوسعت القضايا وازدادت تشعبا وتفريعا حتى فقد علم الكلام حيويته وفاعليته واختزل في مقولات يكتنفها الغموض و التعقيد و التفريع و الحشو، فتحول بذلك إلى مجرد ترف فكري لا فائدة منه ولم تستسغه النخب الجديدة حيث لم يعد قادرا على معالجة الإشكالات المعرفية الحديثة فضلا عن المشاغل الروحية للمسلم المعاصر، فبرزت بذلك محاولات جديدة لإعادة إحياء هذا الفكر في قالب جديد ، و البحث عن عصر ذهبي للثقافة الإسلامية بعد أفول شمعتها الأولى(1). وقد تجسدت هذه المحاولات في برامج العديد من المؤسسات البحثية و المراكز العلمية وفي كتابات عدد غير يسير من الباحثين و الأكاديميين، محاولات تروم في مجملها تحديث المنظومة المعرفية الإسلامية و الاستفادة من المنجز المعرفي المعاصر وتجاوز النمط القديم في التفكير الكلامي .
في هذا السياق المعرفي الجديد تبرز إسهامات الدكتور عبد الكريم سروش ، فالمتن الفكري الذي يحمله هذا الرجل مليء بقضايا وإشكالات تغتني بها المعرفة الكلامية الجديدة خاصة
و الدينية عامة، وسنحاول في الأسطر القليلة المقبلة عرض و مناقشة هذه القضية- تجديد علم الكلام وإسهامات سروش في ذلك- عبر نقطتين أساسيتين :الأولى في الحاجة إلى تجديد علم الكلام و الثانية في السيرة الفكرية للدكتور عبد الكريم سروش و إسهاماته في هذا المجال على أن ما سنشير إليه لا يغني عن مراجعة ما كتبه و أبدعه رواد هذا الفن وحسبي في ذلك إيماءة تتغيى التعريف بنماذج فكرية وازنة من قبيل الدكتور عبد الكريم سروش.
الحاجة إلى تجديد علم الكلام
أشرنا سابقا إلى أن علم الكلامي لم تعد له تلك القدرة المبدعة التي كان يتمتع بها في القرون الأولى ،فهو عاجز عن تغطية الحاجات الفكرية و النفسية للمسلم المعاصر، وهذا تقرير يكاد يجمع عليه الباحثون و الدارسون للفكر الإسلامي ،ويرجع عبد الجبار الرفاعي – وهو أحد أبرز المشتغلين بقضايا تجديد علم الكلام – مناشئ عجز علم الكلام التقليدي عن الوفاء بهذه الحاجيات إلى عوامل منها :
1- هيمنة المنطق الأرسطي في الاستدلال على قضايا العقيدة .
2- طغيان النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل.
3- تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي .
4- تراجع دور العقل وشيوع التقليد.(2)
فهذه عوامل تضافرت لتساهم بنحو مركب في ضمور سؤال الإبداع وخلق المعنى و الحيوية الفكرية في الكلام الكلاسيكي ، مما يسوغ تولد أصوات تدفع بتجديد علم الكلام، ليس بمجرد إلحاق مسائل جديدة به، بل بمراجعة شاملة لعلم الكلام في مستوياته الثلاثة : الأهداف و الموضوع و المنهج.
فمجال التجديد في علم الكلام يشمل تحديات جديدة لم تكن موجودة في القرون الإسلامية الأولى ، من مثل نهوض الآخر وتراجع عالم الإسلام ..ومن مثل صعود الفلسفات المادية و الوضعية وثقافة الحداثة وتفكيك وعدمية ما بعد الحداثة..ومن مثل التخلف الذاتي الموروث عن حقب التراجع الحضاري في مسيرة الأمة الإسلامية، وكذلك التجديد في المناهج استفادة مما تحقق من التراكم المعرفي في هذا الميدان..و أيضا في لغة الخطاب و أساليب التأليف ومنطق الترتيب للأبواب و المسائل والمقالات، فلابد- يقول محمد عمارة- من تحلي علم الكلام الجديد بالبلاغة التي تراعي مقتضى حال العقل المعاصر، إن في الموضوعات أو أساليب التعبير و الخطاب أو هندسة البناء المفاهيمي و المعرفي لأدبيات هذا الطور الجديد لعلم الكلام.(3) . ويرى الرفاعي أن التجديد إذا طال الأبعاد السالفة الذكر-الأهداف والموضوع و المنهج- فإننا سنشهد ميلاد علم جديد مغاير تماما لسلفه،لأن أبعاد كل علم تشكل نسيجا متكاملا فيما بينها ويوحدها التأثير المتبادل ،أي أن أي تحول في أحدهما يستتبعه تحول في سائر الأبعاد، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم،وحدوث منظومة بديلة يأخذ فيها كل بعد من أبعاد العلم موقعه الملائم ويعاد نظم المسائل في إطار يتسق و التحولات الجديدة في المسائل و الغايات و الموضوع و المنهج و اللغة و المباني ، ومعنى ذلك تجديد الهندسة المعرفية لعلم الكلام(4).
إن هذا التحديث لا يمكن تحققه دون الاستفادة و التفاعل مع التحولات التي شهدها العالم خلال القرون الأخيرة على المستوى السياسي و الاقتصادي و الفلسفي و العلمي و التدفق الهائل للنظريات العلمية و الفلسفية التي تزخر بها حقول المعرفة المعاصرة و الإيمان بتاريخانية المعرفة البشرية ونسبيتها.
هذه إذن هي الخطوط العريضة لمفهوم التجديد في علم الكلام، وتبقى إشكالية التأسيس تاريخيا لهذا النمط من المعرفة من القضايا المختلف فيها بين الدارسين على اعتبار أن تجديد علم الكلام هو مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود معرفية وعلمية أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث ، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم ،ويعد العالم الهندي شبلي النعماني (1332هج) من أوائل من نحث مصطلح علم الكلام الجديد كعنوان لكتابه الذي نقله إلى الفارسية محمد ثقي فخر داعي كيلاني وطبعه في طهران سنة 1950 بنفس العنوان(5).لكن هذا لا يعني أنه المؤسس للتفكير الجديد في علم الكلام، بل هو واحد من الرواد الذين تشكل عندهم وعي بضرورة تحديث المنظومة الدينية بشكل عام و الكلامية بشكل أخص، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وحمد جواد البلاغي ومحمد الطاهر بن عاشور…وغيرهم كثير، فكل واحد من هؤلاء يشكل مدرسة قائمة بذاتها في التفكير الإسلامي الجديد ، غير أنه يمكن أن نصنفهم ضمن ثلاثة أزمنة للاتجاهات الجديدة في علم الكلام:
الزمن الأول : يتمثل بتأسيس المعتقد على العقل و العلم،كما في آثار الأفغاني وتلميذه محمد عبده ومحمد فريد وجدي وحسين الجسر وهبة الدين الشهرستاني وغيرهم.
الزمن الثاني:
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |